NoorSadaNoorSada
نمط الحياة

أسعار الغذاء في غزة ترتفع بشكل حاد — وهذا ما يفعله ذلك بجسد يعيش تحت الضغط

حين يعود الطعام إلى الأرفف لكنه يظل بعيد المنال، لا يقتصر الضرر على الجوع. إنه نوع محدد وقابل للقياس من الأذى الفسيولوجي.

السرعة:

Amira Sultani
· 4 دقيقة قراءة
صورة: Stephen Morrison/Africa Practice for AusAID / Wikimedia Commons (CC BY 2.0)

ثمة قسوة خاصة في سوق يعجّ بالبضائع لكنه يخلو من المشترين. تصف التقارير الأخيرة الواردة من غزة هذا الواقع بالضبط: فلسطينيون نازحون يرون الطعام يعود إلى الأرفف فيما يعجزون كلياً عن شرائه. المشاهد عادية في ظاهرها — علب معلبات مكدّسة، خضار وفاكهة موضوعة في صفوف — لكن الفزع كامن في الهوة بين ما هو مرئي وما هو في متناول اليد.

بوصفي كاتبة عمود في التغذية، لا أتناول النزاعات المسلحة. لكنني أتناول ما تفعله الأزمة الغذائية المزمنة داخل الجسم البشري، لأن الآليات الفسيولوجية لا تكترث بالسياسات التي أفضت إليها. وتلك الآليات تستحق اليوم أن نفهمها.

لنبدأ بما تقوله الأبحاث العلمية فعلاً حول فسيولوجيا انعدام الأمن الغذائي — لا المجاعة تحديداً، بل تلك الحالة المزمنة المُرهِقة من عدم اليقين بشأن إمكانية تأمين الغذاء في الغد.

تُثبت الأبحاث باستمرار أن هذا النوع من الغموض — الذي يسميه الباحثون 'انعدام الأمن الغذائي' لا الجوع الصريح — يُطلق استجابة مستدامة لهرمون الكورتيزول. الكورتيزول، وهو هرمون الإجهاد الأساسي في الجسم، ليس ضاراً في الجرعات القصيرة. المشكلة تكمن في ارتفاعه المزمن. رصدت دراسات تتبّعت أسراً تعاني انعدام الأمن الغذائي مستويات كورتيزول تشبه إلى حد بعيد تلك التي لدى أشخاص يعيشون صدمة نفسية مطوّلة: مستويات قاعدية مرتفعة، وذروة صباحية خافتة، وتذبذب طوال اليوم. وحجم هذا الأثر ليس هيّناً — وجد أحد الأبحاث أن ارتفاعات الكورتيزول لدى البالغين الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي مماثلة لتلك التي تُلاحظ لدى المصابين باضطرابات القلق السريرية.

ماذا يفعل الكورتيزول المرتفع بصورة مستدامة؟ يُعبّئ الغلوكوز في الدم، وهو أمر مفيد حين تفرّ من خطر. لكن حين لا يكون ثمة مكان للفرار، يُعاد توجيه ذلك الغلوكوز. تتصاعد مقاومة الأنسولين تدريجياً. ترتفع المؤشرات الالتهابية — البروتين التفاعلي C والإنترلوكين-6. تتناقص كتلة العضلات حتى حين يكون انخفاض السعرات الحرارية جزئياً لا كلياً، لأن الجسم يُؤثر الكيمياء الاستراتيجية للبقاء على صيانة الأنسجة. يتباطأ التئام الجروح. تزداد نفاذية الأمعاء، مما يعني أن الحاجز المعوي يصبح أقل فاعلية في منع مسبّبات الأمراض الانتهازية من اختراق مجرى الدم.

أضف إلى ذلك الأوضاع المحددة التي تُرصد في غزة: التهجير الذي يُعطّل النوم وهو بدوره مُضخّم للكورتيزول، والحرارة الشديدة التي تزيد الحاجة إلى السوائل والكهارل في اللحظة ذاتها التي تشحّ فيها هذه الموارد، والثقل النفسي لمشاهدة أسعار تفوق بأضعاف — وفق شهادات متعددة — ما تستطيع أغلب الأسر تحمّله.

الأطفال ليسوا مجرد بالغين صغار في هذا السياق. أجهزة الكورتيزول لديهم لا تزال في طور المعايرة والنضج. للإجهاد المزمن خلال نوافذ النمو الحرجة — وانعدام الأمن الغذائي المستدام يندرج بالتأكيد ضمنها — تأثيرات قابلة للقياس على محور الوطاء-النخامية-الكظرية قد تمتد إلى مرحلة البلوغ. هذا ليس تضخيماً للمخاوف. بل هو موثّق في أبحاث تتناول الفقر والتهجير والشدائد التي يتعرض لها الأطفال في مراحلهم الأولى عبر شعوب مختلفة حول العالم. هذه التأثيرات حقيقية وتدوم، وتبدأ قبل أن يُظهر الطفل علامات سوء التغذية الظاهرة للعيان بوقت طويل.

أودّ أن أكون صادقة فيما أستطيع وما لا أستطيع قوله هنا. أنا عالمة تغذية ومدرّبة في هذا المجال، ولست محلّلة في السياسات الإنسانية. ما أستطيع إخبارك به هو أن العواقب الغذائية لهذا الوضع بعينه — حين يختفي الغذاء الميسور ثم يعود بأسعار تُقصي من يحتاجونه أشد — ليست افتراضية. إنها تجري الآن داخل الأجساد، بصمت، على المستوى الخلوي، بطرق ستتضاعف مع مرور الوقت.

ثمة أيضاً شيء جدير بالتسمية، وهو الإطار الإسلامي لمسألة الحصول على الغذاء، وأرى أنه يستحق مساحة في هذا العمود. إن مفهوم الرزق — القوت والعطاء — مفهوم في الموروث الإسلامي على أنه أمانة لا امتياز. والقول بأن حجب الغذاء الميسور ضرر أخلاقي ليس موقفاً هامشياً؛ بل هو راسخ في البنى القانونية والأخلاقية للفقه عبر جميع المذاهب الكبرى. وُضعت الزكاة والصدقة تحديداً لمواجهة اللحظات التي تخذل فيها الأسواق الناس الذين من المفترض أن تخدمهم. هذا الموروث ليس مجازياً. إنه بنية تحتية عملية.

في أغلب الأحيان، ينتهي هذا العمود بشيء يمكنك تجربته في المنزل. اليوم، الخطوة العملية مختلفة. إن كنت تقرأ هذا من موضع راحة نسبية — وهو ما ينطبق على معظم قرّاء موقع نورسادا — فالشيء الوحيد الذي تستطيع فعله اليوم هو التبرع لمنظمة إغاثة غذائية موثوقة تعمل في مناطق النزاع الفعلي. ليس لأن ذلك يُصلح الاقتصاد الكلي — فهو لن يفعل. لكن لأن آلية الضرر التي وصفتها تتناسب مع الجرعة: كل وجبة تصل إلى طفل هي ذروة كورتيزول لم تحدث، ويوم من نفاذية الأمعاء لم يتراكم، وقطعة صغيرة من نافذة نمائية لم تُغلق إلى الأبد.

العلم يقول إن هذا يُحدث فرقاً. والموروث يقول إنه يُحدث فرقاً. والقارئ المُنهَك — الذي يشعر بالإرهاق من أخبار لا تنقلب — لا يزال الآن قادراً على هذا الشيء الواحد.

ذلك كافٍ. افعله على أي حال.