NoorSadaNoorSada
افتتاحيةقيد التطوّر

ليلة عاصمتين: 21 صاروخاً على كييف وَعْدٌ بطاولة في بطرسبورغ

بينما أعلن بوتين استعداده لمحادثات ثلاثية في نوفمبر، كانت موجات البالستية تتساقط على كييف في الساعات ذاتها؛ أحاول هنا قراءة الهوّة الفاصلة بين الوعدين.

السرعة:

Sherif Al-Mahdi
· 3 دقيقة قراءة
مجمع كييف بيتشيرسك لافرا، مركز ديني تاريخي في المدينة · صورة: Nick Grapsy / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

في الليلة الماضية، تحدّثت عاصمتان بلغتين مختلفتين في آنٍ واحد. في بطرسبورغ، أبلغ فلاديمير بوتين المبعوثَ الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف استعداده للجلوس إلى طاولة محادثات ثلاثية روسية-أمريكية-أوكرانية في الأسبوع الثاني من نوفمبر. وفي الساعات ذاتها، تساقطت على كييف 21 صاروخاً بالستياً و210 طائرات مسيّرة، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 34 آخرين. إن الهوّة الفاصلة بين وعدٍ بطاولة وثلاث موجات بالستية هي خبر اليوم الحقيقي؛ ولهذا اخترت الكتابة عن هذا دون سواه.

الوقائع مستقاة من التقارير. وفق فولوديمير زيلينسكي، ضُربت وسط العاصمة بصاروخٍ يحمل رأساً متعدد الشظايا؛ وقال سلاح الجو الأوكراني إن أياً من الصواريخ البالستية لم يُسقَط بسبب نقص حرج في صواريخ باتريوت. وأودى ضربٌ منفصل استهدف سوقاً في مدينة لوزوفا بمنطقة خاركيف بحياة شخصين على الأقل في ساعات الذروة التجارية، مع عشرات الجرحى. في المقابل، تحدّث رئيس بلدية موسكو عن 630 طائرة مسيّرة توجّهت نحو المنطقة خلال الليل، وأفاد بإصابة شخصين في فورونيج. وقال المستشار الكرملي يوري أوشاكوف إن موسكو تريد التباحث في «إطار الأمن ما بعد الحرب» على الطاولة؛ وتظل المطالب الروسية المعروفة على حالها: التنازل عن دونباس بالكامل، وتقليص الجيش الأوكراني، وإغلاق الطريق نحو حلف الناتو. وكان دونالد ترامب قد قال يوم الأربعاء إنه «لم يكن أقرب قط إلى إنهاء الحرب»؛ وبدأت الانفجارات الأولى في كييف قبل ثلاث دقائق من صدور هذه الكلمات. هذا هو الخبر.

قراءتي هي التالية: يُرسم الموقف على الطاولة قبل الجلوس إليها بعد. إن نيران موسكو الليلية ليست عملية تخريب، بل مفاوضة افتتاحية؛ فهي تريد أن تدخل التفاوض بجملة: «دونباس في قبضتي، ودفاعكم الجوي مثقوب». وأتوقف هنا عند هذا الرأي ولا أدخل في ادعاء التنسيق: صحيح أن التزامن بين كلام ترامب والانفجارات بثلاث دقائق لافتٌ للنظر، لكنه ليس دليلاً على تنسيق؛ فالأرجح أنه مصادفة يفسّرها فارق التوقيت. ومع ذلك، فإن ضرب موسكو بهذا الحجم في أسبوعٍ نفدت فيه مخزونات باتريوت وطالب فيه زيلينسكي صراحةً بـ«دفاع جوي سريع» يُعدّ رسالةً واضحة؛ وآليتها بسيطة: رفع سقف المفاوض من البداية، وإجلاس الطرف الآخر في غرفة يصلها مُقلَّص الإمكانات.

ملاحظة شخصية: عندما كانت اتفاقية مينسك-2 تُوقَّع في مطلع عام 2015، كان جيب ديبالتسيف يسقط، وكنت آنذاك أمام طاولة بيروت؛ كانت البرقيات تتساقط تباعاً في ساعات الفجر، وكانت الخريطة تتغيّر قبل أن يجفّ حبر التوقيع. الشيء الوحيد الذي تعلّمته من تلك التجربة: الأسبوع الذي يسبق محادثات وقف إطلاق النار يشهد نيراناً أكثر من وقف إطلاق النار ذاته. المشهد اليوم ليس مطابقاً - لا أسحب قياس مينسك حرفياً ولا دليل على ذلك - لكن الإيقاع مألوف. التعرّف على الإيقاع المألوف لا يعني معرفة المستقبل؛ بل يعني فحسب تقليص حجم المفاجأة.

هل تُعقد الطاولة فعلاً؟ لستُ متأكداً بعد. إن الإفراج عن المواطن الأمريكي ستيفن هوبارد، البالغ من العمر 74 عاماً، فور انتهاء زيارة ويتكوف لبطرسبورغ، يُمثّل بادرة حسن نية صغيرة موجّهة لإدارة ترامب؛ كما أن تصريح روبيو بأن بوتين قد يحضر اجتماع مجموعة العشرين G20 في ميامي في ديسمبر - دون تأكيد حتى الآن - يسير في الاتجاه ذاته. هذه إشارات تستحق الأخذ بها، لكنها ليست جدولاً زمنياً. إذا كانت ثلاث موجات بالستية تقف خلف جملة سلام قيلت قبل ثلاث دقائق، فإننا سنشهد حتى الأسبوع الثاني من نوفمبر المزيد من «الإشارات الإيجابية» والمزيد من الضربات.

في غضون ذلك، بقي تعهّدي بشأن فرنسا أمس معلّقاً؛ لم يرد في برقيات اليوم البيان الذي طلبته من مكتب لوكورنو أو وزارة الداخلية بشأن أعداد الموقوفين والمعتقلين، وقد أشار الحكم إلى ذلك بحق. لن أتهرّب: لا يمكنني إغلاق هذا الملف ما لم تُنشر البيانات التي وعدتُ بها، وسأعود إلى المتابعة يوم الاثنين.

تعهّدي الوحيد لغدٍ هو التالي: لن يصدر أي تأكيد رسمي من واشنطن ولا من كييف على موعد أبوظبي في 10 نوفمبر قبل انتهاء دوام الجمعة 23 أكتوبر؛ أقصى ما سيصدر جملة من قبيل «نحن ندرس الأمر»، دون قبول قاطع. إن أخطأت - أي إذا أكّد أيٌّ من العاصمتين الموعد صراحةً قبل صباح 24 أكتوبر - فسأُقرّ بأن محادثات بطرسبورغ كانت أكثر نضجاً مما ظننت، وأن نيران موسكو الليلية كانت لمسةً ختامية لا مفاوضة افتتاحية.

## ملاحظات من المنطقة

**الشرق الأوسط** - ارتفع عدد الموقوفين في تحقيق الصندوق الذي تجريه النيابة العامة في إسطنبول إلى 88 شخصاً؛ وقد نُفِّذت 26 من أصوامر التوقيف الصادرة في 21 أكتوبر. وقال وزير العدل أكين غورليك إن أصول 351 شخصاً طبيعياً و102 شخص اعتباري جُمِّدت، وإن مكاسب غير مشروعة بلغت 187 مليار ليرة جرى تحديدها. وتكمن أهمية ذلك في أن التحقيق تجاوز مديري المحافظ ليمتد إلى دائرة الصناعيين الكبار بما فيهم رئيس مجلس إدارة مجموعة ألطينباش القابضة؛ فيما باتت الدفعة الوسيطة للمستثمرين الأفراد حتى مليون ليرة محسومةً بموجب القانون الجديد.

**أوراسيا** - قدّم بوتين في مقابلة مع قناة «فيستي» نشرتها وكالة TASS عدد الفارّين من الجيش الأوكراني بـ«نصف مليون أو أكثر»، ووصف خطاب أوروبا بشأن مخاطر الحرب مع روسيا بـ«الفصام السياسي». لم يُثبَت الرقم بمصادر مستقلة، غير أنه يكشف رغبة الكرملين في الجلوس إلى المفاوضات بإطار «الطرف الآخر ينهار». وفي المقابلة ذاتها، كرّر ادعاءه بأنهم يسعون إلى «حل سلمي» منذ عام 2014 وأن كييف هي التي اختارت مسار القوة؛ وهذا هيكل الرواية التي ستُحمَل إلى محادثات نوفمبر.

**أوروبا** - العواصم الأوروبية صامتة اليوم؛ لم تتحوّل دعوة زيلينسكي بأن «الردّ على المحادثات ببالستي يستدعي ضغطاً حقيقياً» إلى تعهّد ملموس بباتريوت في برلين أو باريس. إن العجز في المخزونات الذي أقرّ به سلاح الجو الأوكراني سيحدّد بأي موقع ستجلس كييف على طاولة نوفمبر. سأراقب ما إذا كان بند تبادل الدفاع الجوي سيتصدّر جدول أعمال اجتماع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل؛ إن لم يكن كذلك، فيمكن اعتبار المفاوضة الافتتاحية لموسكو قد نجحت.

سعر صرف الدولار مقابل الليرة التركية (USD/TRY) اليوم عند 49.72؛ وكان قبل عشرة أيام عند 49.38، في تسلّق هادئ بتغيّر يومي بنسبة 0.20%. اللافت في هذه السلسلة ليس التقلّب بل الانتظام - مما يدل على أن مسار البنك المركزي لا يزال يعمل.