رأس المال الصيني في مصر تجاوز حدًا يغير المعادلة على النيل — ورئيس الوزراء أعلن ذلك علنًا.
ℹ️ قراءة بصوت المتصفح · صوت الذكاء الاصطناعي قريبًا

فعل مصطفى مدبولي يوم الاثنين ما يتركه رؤساء الوزراء المصريون عادةً لوزير صغير وبيان صحفي: أعلن بنفسه أن الاستثمار الصيني في مصر تجاوز عشرة مليارات دولار. اقرأ تلك الجملة مجددًا. رئيس حكومة أكثر الدول العربية اكتظاظًا بالسكان استخدم منصةً ليقول — برضا واضح — إن أموال بكين في بلاده باتت تبلغ أحد عشر رقمًا. هذا النوع من التصريحات كان سيُدفن قبل عقد في بيان ثنائي مشترك. اليوم هو العنوان الذي أراده رئيس الوزراء.
الرقم نفسه أقل أهمية من التوقيت والإخراج. قضت مصر أربعين عامًا في موضع المتلقي المرتبط بمعاهدة، ضمن منظومة أمنية يرعاها طرف واحد. لم يجرِ التنصل من تلك العلاقة، ولن يجري. لكن شيئًا في تركيبة ميزانية القاهرة تحوّل بما يكفي لأن يرى رئيس الحكومة أن التكلفة السياسية لتسمية الصين شريكًا اقتصاديًا استراتيجيًا باتت أدنى من التكلفة السياسية للصمت.
انظر إلى ما يقف خلف هذا الإعلان. أعلن البنك المركزي الشهر الماضي أن صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي بلغ ما يقل قليلًا عن ثمانية وعشرين مليار دولار — انتعاش حقيقي من أزمة العملة التي كادت تنسف السياسة الاقتصادية المصرية قبل عامين. بُني هذا الانتعاش على الودائع الخليجية، وعلى برنامج الصندوق الذي لا تزال شروطه وخيمة، وعلى اقتصاديات المناطق الصناعية التي كانت الشركات الصينية تشيّدها في هدوء على امتداد منطقة قناة السويس الاقتصادية. مدبولي لا يشكر بكين من باب الوفاء العاطفي. يشكرها لأنها حضرت حين احتاجت الخزانة إلى من يحضر.
الآن تأمّل التوقيت. يأتي هذا الإعلان في الدورة الإخبارية ذاتها التي تنفي فيها طهران علنًا وجود أي مفاوضات مع واشنطن، وتربط وضع مضيق هرمز بـ"التزامات" أمريكية يرى المسؤولون الإيرانيون أنها لم تُحترم. الخريطة الإقليمية، من نافذة القاهرة، تبدو هكذا: الضامن الأمني مشتت ومتذبذب، منشغل بجدال داخلي حول الطاقة التي يرغب في إنفاقها على الشرق الأوسط. أما الراعي الاقتصادي، فيصل حاملًا مناطق صناعية وامتيازات موانئ وقدرة على كتابة الشيكات دون الحاجة إلى موافقة لجنة في مجلس الشيوخ.
الدولة تحسب الحساب. مصر تحسب الحساب.
المثل التاريخي الجدير باستحضاره — وأنا أقوله مدركًا أين ينقطع — هو تحوّل حقبة ناصر نحو التمويل السوفييتي لبناء السد العالي، بعد أن سحبت واشنطن عرضها عام 1956. ينقطع المثل في المكان المعروف: بكين اليوم تقدم لمصر تجارة لا أيديولوجيا، والقاهرة تقدم لبكين خدمات لوجستية لا انحيازًا سياسيًا. لا أحد يطرد مستشاري أحد. لا أحد يؤمّم قناة أحد. غير أن الذاكرة المؤسسية في وزارة الخارجية المصرية تتذكر تمامًا ما يعنيه تنويع الرعاة حين يصبح الراعي الراهن غير موثوق. تلك الذاكرة تتجاوز الوزراء وتبقى بعدهم.
ماذا نراقب لاختبار هذه القراءة؟ ثلاثة أشياء. أولًا: هل تتضمن الشريحة القادمة من إعلانات منطقة قناة السويس الاقتصادية شركات صينية في قطاعات — التكرير، والبتروكيماويات، ومكونات المركبات الكهربائية — تُنتج طاقة صناعية مزدوجة الاستخدام، أم ستظل مقتصرة على النسيج والتصنيع الخفيف؟ ثانيًا: هل تبدأ المشتريات المصرية في المجالات المتاخمة للدفاع — الطائرات المسيّرة والرادار والاتصالات — في إظهار بنود صينية حيث كانت تقع بنود فرنسية أو أمريكية؟ ثالثًا: هل تكتسب إدارة الجنيه المصري في هدوء مكوّنًا بالرنمينبي ضمن سلة مرجعيتها؟ أيٌّ من هذه الثلاثة سيكون مؤشرًا. اثنان منها سيكونان نمطًا. وثلاثتها ستكون سياسة.
الأدلة التي قد تدحض هذه القراءة جديرة هي الأخرى بالرصد. إذا تسارعت الودائع الخليجية في القطاع المصرفي خلال النصف الثاني من العام — والرياض وأبوظبي لديهما كل الحوافز لمنع القاهرة من الانجراف بعيدًا — يتحول الرقم الصيني البالغ عشرة مليارات إلى هامش في الحساب لا محورًا. عاملت العواصم الخليجية مصر تاريخيًا باعتبارها استثمارًا في العمق الاستراتيجي، وجيوبها أعمق مما تستعد بكين لفتحه لشريك لا يرتبط بها بمعاهدة. راقب تدفقات الودائع؛ ستخبرك ما إذا كان المؤتمر الصحفي لمدبولي إشارةً سياسية أم ورقةً للمساومة موجّهة إلى الرياض.
ثمة إغراء، حين يكتب المرء عن دول أفريقية وعربية تسعى إلى استقطاب رأس المال الصيني، للجوء إلى لغة فخ الديون والطموح الإمبريالي الجديد. تلك اللغة تُجمّل صاحبها أكثر مما تشرح الواقع. مصر لا تُغوى. مصر تُدفع. أمضت الحكومة في القاهرة ثلاث سنوات في إدارة أزمة عملة وأزمة تضخم وحرب إقليمية على حدودها الشرقية. لديها مئة وعشرة ملايين مواطن يحتاجون خبزًا بعملة تصمد قيمتها. حين يقف رئيس الوزراء ليسمّي دائنه بفخر، فهو يقول لمواطنيه: الحساب يعمل.
هل ستنتبه واشنطن؟ سؤال قائم بذاته. هل لديها الطاقة للتحرك حياله؟ ذلك هو السؤال الذي سيرسم ملامح السنوات الخمس القادمة على النيل.
أعلن رئيس الوزراء المصري علناً عن عشرة مليارات دولار من الاستثمارات الصينية، مما يشير إلى أن القاهرة تنويع اعتمادها بعيداً عن الاعتماد الحصري على الضمانات الأمنية الأمريكية. تعكس هذه الخطوة استقرار العملة المصرية من خلال الودائع الخليجية والاستثمارات الصينية الصناعية على طول قناة السويس — حساب يتعلق بأي راعٍ يقدم بشكل موثوق عند الحاجة.
إذا انحازت مصر نحو التكامل الاقتصادي الصيني في المشتريات الدفاعية وإدارة العملات، فإن التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط سيتحول؛ والنفوذ الأمريكي في أكثر الدول العربية اكتظاظاً بالسكان يضعف في لحظة تكون واشنطن فيها مشتتة الانتباه بالفعل. بالنسبة للمستثمرين ومديري سلاسل الإمدادات، يشير هذا إلى تورط صيني أعمق في لوجستيات قناة السويس والتكرير والقطاعات الصناعية ثنائية الاستخدام التي تمر عبر الأراضي المصرية.