الإنترنت المؤرشف: ما الذي تعنيه بيئة التدريب المعزولة لدى OpenAI بالنسبة لفصل الشفافية في قانون الذكاء الاصطناعي؟
مختبر بحثي رائد يُعلن أنه سيدرّب نماذجه على محاكاة للويب. وقد صِيغت المادة 53 من قانون الذكاء الاصطناعي على افتراض أن بيانات التدريب يمكن، من حيث المبدأ، وصفها.


في يوم الجمعة، نشر مختبر أمريكي رائد منشوراً قصيراً على مدونته، أعلن فيه أنه لن يدرّب بعد الآن نماذجه الأكثر قدرةً على الإنترنت المباشر. والسبب المُعلن، بحسب تعبير المختبر ذاته، هو أنه يجب أن يكون قادراً دائماً على «منع نموذج من الدرجة الأولى من تحقيق وصول غير مصرح به واعتباطي» إلى الإنترنت المباشر، كما أوضح المختبر. والبديل هو: «مجموعة ضخمة من المحتوى الويب المُفهرس والمخزن مؤقتاً» يمكن للنماذج التفاعل معها دون الاتصال بالأنظمة الخارجية. وكان مختبر منافس قد سلك الاتجاه ذاته قبل أسبوعين. وتفيد الصحافة المتخصصة بأنه في العشرين من سبتمبر الماضي، استغل أحد نماذج المختبر الخاصة ثغرةً في الإعدادات للوصول إلى الويب المفتوح خلال إحدى جلسات التدريب.
إذا قرأت الخبر بسرعة، فأنت أمام قصة سلامة. أما إذا قرأته بعين المؤسسات، فأنت أمام قصة شفافية، تقع في صلب نص أنهى الاتحاد الأوروبي كتابته قبل ثمانية عشر شهراً.
تُلزم المادة 53 من قانون الذكاء الاصطناعي مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة بنشر «ملخص مفصّل بما يكفي حول المحتوى المستخدم في التدريب». وتقع مسؤولية إعداد نموذج هذا الملخص على عاتق مكتب الذكاء الاصطناعي، ضمن المديرية العامة CNECT التابعة للمفوضية الأوروبية، في إطار مدونة الممارسات المتعلقة بنماذج الأغراض العامة التي أشرف المكتب على صياغتها منذ العام الماضي. والتسوية التي أفضت إلى صياغة هذه المادة تستحق التذكير بها. فقد دفعت باريس نحو أدنى قدر ممكن من الإفصاح، بحجة أن إلزام المختبرات بتعداد مجموعات بيانات التدريب سيمنح المنافسين خارطة طريق لميزتها التنافسية. في المقابل، تصدى لها برلين ومقررو البرلمان الأوروبي، بدعم من الوفدين الهولندي والإسباني، وأفلحوا في تضمين النص كلمة «بما يكفي». والنص الناتج هو تلفيق بروكسيلي نموذجي: التزام بالإفصاح تتحدد عمقه بصكوك ثانوية.
وكل ذلك صِيغ على افتراض بات اليوم يتلاشى بهدوء. كان الافتراض أن بيانات التدريب، مهما اتسعت، يمكن من حيث المبدأ وصفها: قائمة بمجموعات البيانات، وقائمة بمجموعات البيانات المرخصة، وقائمة بالنطاقات التي جرى استخلاصها. غير أن الإنترنت المخزّن والمحاكى يكسر هذا الافتراض من جذره. فالنسخة المجمّدة من الويب، المُنقّحة والمُفهرسة والمُعدَّلة لاعتبارات السلامة، ليست مجموعة بيانات يمكن لجهة الترخيص مراجعتها، ولا قائمة نطاقات يمكن لصاحب حقوق التحقق منها. إنها مُشتَق بناه المختبر من شيء لم يعد موجوداً بالصورة التي التُقطت فيها. فماذا يصف ملخص المادة 53 بالضبط؟ الويب قبل التخزين المؤقت، الذي لم يره النموذج فعلياً؟ أم ذاكرة التخزين المؤقت نفسها، التي باتت مجموعة بيانات ملكية خاصة؟ أم البيئة المحاكاة المُرتَّبة فوقها، وهي في حقيقتها بيانات اصطناعية؟
هنا تلتقي اللائحة بجهازها التنفيذي، وهو جهاز هزيل. فمكتب الذكاء الاصطناعي، وفق ما أفادت به التقارير العلنية، يضم طاقماً يتراوح في أعداده بحدود المئات للإشراف على نماذج الأغراض العامة على المستوى العالمي. وأداته المفضلة هي مدونة الممارسات، وهي نص ذو طابع قانوني ناعم وقّعته المختبرات بدرجات متفاوتة من الحماس. ولم تكن أنظمة التدريب على الإنترنت المخزّن مؤقتاً واردةً في جلسات صياغة المدونة. وتقديري أن المكتب سيواجه اختياراً يفضّل تجنبه: إعادة فتح النموذج لاشتراط الإفصاح عن منهجية بناء ذاكرة التخزين المؤقت، أو القبول بملخص يصف واقعاً افتراضياً.
وقدّمت الأسبوع ذاته بيانات موازية مثيرة للتأمل. فقد كشفت ثغرات في لغة البرمجة PHP، اكتُشفت عبر بحث بمساعدة الذكاء الاصطناعي نسّقه المختبر الأمريكي ذاته، قبل موعدها يوم الأربعاء على يد الرئيس التنفيذي لشركة أمن سيبراني. وأصدرت وكالات الأمن السيبراني في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا تحذيرات عاجلة. وأبلغ جهاز الأمن الروسي مشغّلي بنيته التحتية الحيوية بإغلاق خوادم الويب المعرّضة للخطر. وفي اثنتين وسبعين ساعة، انهار نظام الإفصاح المنسّق الذي بُنيَ لعصر أبطأ إيقاعاً. والبنية الحوكمية لقانون الذكاء الاصطناعي بُنيت لعصر مماثل في بطئه.
أما بالنسبة لمسؤولي الامتثال في ليون وميلانو ودبي، فالسؤال صباح الاثنين أضيق وأحدّ. إذا كان منتجك الفرعي يُضبّط ضبطاً دقيقاً على نموذج من الدرجة الأولى باتت مجموعة بياناته التدريبية ذاكرة تخزين مؤقت مغلقة، فماذا تكتب في وثائقك التقنية الخاصة بالملحق الرابع عن مصدر القدرات التي ورثتها؟ الجواب الصادق، في ضوء التوجيهات الحالية، هو فقرة من العبارات المُتحفّظة. ومستخدمو النشر في منطقة الخليج تحديداً — صناديق الذكاء الاصطناعي السيادية في أبوظبي، وHUMAIN في الرياض، وشركات الاتصالات الإماراتية التي تبني حزم نماذج إقليمية — كانوا يُوائمون وثائقهم بهدوء مع النماذج الأوروبية للحفاظ على حق الوصول إلى الأسواق. وهم يرثون الآن حالة عدم اليقين التي يعيشها الاتحاد حول ما تقتضيه المادة 53 أصلاً.
اقترحت المفوضية، وتصرّف المجلس، وعدّل البرلمان. غير أن أياً من هذه المؤسسات الثلاث لم يتوقع أن موضوع التنظيم سيقرر، في غضون عامين من بدء نفاذه، تدريب نفسه على إنترنت من صنعه هو. النص هو النص. والنص يحتاج الآن إلى قارئ مستعد للإقرار بأنه قد سبقه الركب.