NoorSadaNoorSada
الأجندة

ضوء أكتوبر، ثقل أكتوبر: حرب 1973 لم تجد بعد سجادتها الحمراء

تحتفل مصر بمرور 53 عاماً على أكثر فصولها العسكرية حضوراً سينمائياً — والشاشة لم تُنصفها بعد. ثمة انتصارات بالغة التعقيد تأبى أن تتحول إلى مشهد.

السرعة:

Aida Khoury
· 4 دقيقة قراءة
صورة: Unknown authorUnknown author / Wikimedia Commons (Public domain)

ثمة نوع خاص من الذكريات تظل الثقافة تعود إليه، لا لأنه وجد إجابته، بل لأنه لم يجدها بعد. حرب أكتوبر 1973 المصرية — حرب رمضان أو حرب يوم الغفران، بحسب الأطلس الذي تمسك به — بلغت عامها الثالث والخمسين هذا الأسبوع، والنقاش الدائر في الصحافة الثقافية القاهرية هو ذاته الذي يطفو على السطح كل أكتوبر: أين الفيلم الذي يستحقها؟

هذا هو مجال عملي أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى. أرصد اللحظات التي تقرر فيها مجتمعاتنا أي قصة تريد أن ترى نفسها فيها على شاشة كبيرة — من يموّلها، ومن يصمم أزياءها، ومن يحضر عرضها الأول. تلك المفاوضة كاشفة بقدر ما هو أي سجاد أحمر. الفستان هو العنوان، والصفقة التي تُعقد في الزاوية هي الخبر الحقيقي.

أنتجت حرب أكتوبر لقطات وثائقية استثنائية — عبور قناة السويس، والجنود يتقدمون في دخان بدا كأن مدير تصوير محترفاً قد أضاءه. وأنتجت روايات وأغاني وعطلة رسمية. غير أنها لم تُنتج، في خمسة وخمسين عاماً، فيلماً تمد إليه المنطقة أو العالم يده حين يريد أن يفهم ما جرى فعلاً في تلك الأيام الثمانية عشر. تُشير تقارير حديثة من القاهرة إلى هذه الفجوة بصراحة: انتصار تاريخي لا يزال ينتظر فيلمه الجامع. تلك الجملة، حين تُقال عن حرب أعادت رسم التركيبة النفسية للشرق الأوسط في أعقاب هزيمة 1967، تستحق أن نقف عندها طويلاً.

الملاحظة الأنثروبولوجية الثقافية التي أجد نفسي أدور حولها هي التالية: علاقة مجتمع ما بأحداثه البطولية الخاصة تكشف لك بالضبط أين تشعر صورته عن نفسه بأكبر هشاشة. الأحداث التي تستقطب التصوير المفرط — كهوليوود والحرب العالمية الثانية، وبوليوود والتقسيم — هي تلك التي هضمها المجتمع وحوّلها إلى أسطورة، بعيدة بما يكفي لتُعبَّأ في قالب. أما الأحداث التي يظل التصوير فيها شحيحاً، فكثيراً ما تكون تلك التي يبدو فيها الفارق بين ما تحقق وما جاء بعده أمراً يصعب تجسيده درامياً بوصفه انتصاراً صريحاً لا لبس فيه. عبرت مصر خط بارليف. ووقّعت مصر بعد ست سنوات معاهدة سلام أعادت رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة برمتها. السينما قادرة على استيعاب التعقيد — وتفعل ذلك طوال الوقت — لكن الصناعة يجب أن تريد تمويل هذا التعقيد، والممولون يميلون إلى البحث عن خواتيم واضحة.

ليست هذه ظاهرة مصرية خالصة. تأملوا كم استغرق السينما الأمريكية من وقت قبل أن تُنتج فيلماً جاداً حقاً عن فيتنام لا يُمجّد ولا يَدين ببساطة؛ وتأملوا كيف لم تبدأ دول الخليج إلا مؤخراً في تكليف أعمال درامية راقية عن عقود حداثتها. الشاشة تتبع المال، والمال يتبع التوافق العاطفي. وحين يظل هذا التوافق قيد التشكّل بعد ثلاثة وخمسين عاماً، تجني مقالات سنوية تطرح السؤال ذاته.

ماذا يستلزم الفيلم الجامع عن حرب أكتوبر؟ يستلزم أولاً منتجاً مستعداً لإنفاق الميزانية التي يستدعيها الحجم — إذ إن مشهد عبور القناة وحده يتطلب ضخامة إنتاج لم تكن البنية التحتية لاستوديوهات السينما المصرية مُهيَّأة لها تاريخياً، وإن كان ذلك يتغير. ويستلزم مخرجاً يمتلك في آنٍ واحد الكفاءة التقنية والإذن السياسي لتناول القوس الكامل للحرب: التخطيط، والعبور، والزخم المبكر، والتعقيدات اللاحقة، ووقف إطلاق النار الذي تحقق في نهاية المطاف تحت ضغط القوتين العظميين. هذا ليس فيلماً من ساعتين؛ بل هو مسلسل محدود الحلقات، وقد جعلت منصات البث هذا النوع مجدياً فجأة لمواد كهذه تحديداً. تُكلّف المنصات السعودية والإماراتية محتوى عربياً راقياً بوتيرة كانت ستبدو مستحيلة قبل عقد من الزمن. وحرب أكتوبر، بوصفها ملحمة عربية مشتركة في التعافي العسكري والنفسي من وطأة هزيمة 1967، تقع تحديداً في المساحة التي تدور حولها تلك المنصات.

المقارنة التي أستحضرها من عام 1963 هي فيلم "لورانس أوف أريبيا" — فيلم أنجزه مخرج بريطاني عن حملة عسكرية عربية، بعد أربعين عاماً من وقوعها، وظل لعقود أقرب شيء إلى ملحمة خاصة للمنطقة على الشاشة. فاز بسبعة جوائز من جوائز الأوسكار. وكان في جوهره قصة أوروبي عن تاريخ عربي، مُصفَّاة عبر بطولة أوروبية. تستحق حرب أكتوبر روايتها الخاصة، من الداخل، بالتعقيد الذي تتيحه المعرفة الداخلية.

ثمة نسخة من هذا المقال أكتفي فيها بالإشارة إلى الذكرى والمضي قدماً. لكن السؤال عن أي القصص تنال المعالجة الراقية — أي القادة تُخصص لهم ميزانية الأزياء، وأي الجنرالات يجسّد شخصياتهم الممثل الذي يدور في مدار جوائز، وأي الفصول الوطنية تُرفع من مستوى مقاطع الأرشيف إلى مصاف الأسطورة — هو واحد من المسائل المحورية للسلطة الثقافية في هذه المرحلة. السينما تُقوّن التاريخ. وما لم يُقوَّن بعد ليس غائباً عن التاريخ؛ بل لا يزال ينتظر في قاعة الانتظار.

أكتوبر المصري ينتظر. الكاميرات موجودة. المنصات موجودة. والشهية، إذا حكمنا من مدى انتظام عودة هذا النقاش كل أكتوبر، موجودة بوضوح.

المطلوب فقط أن يوافق أحدهم على الإنتاج.