باب المندب يفرغ: 1,400 يمني يعبرون إلى جيبوتي في يوم واحد
الحوثيون يُحكمون قبضتهم على المضيق، والمؤشر الأول ليس مؤشرات الشحن، بل طابور من القوارب الصغيرة يرسو على شاطئ أوبوك.


الرقم الأهم على أسلاك الأخبار هذا الأسبوع هو 1,400 — عدد اليمنيين الذين وصلوا إلى ميناء أوبوك الجيبوتي في غضون أربع وعشرين ساعة، وفق أرقام نقلتها قناة الجزيرة. حين يتحرك الناس بهذه السرعة عبر باب المندب، فذلك لأن أحداً على الشاطئ اليمني قرّر أن تكلفة البقاء باتت ترتفع أسرع من تكلفة قارب مهرّب.
القراءة الرسمية هي أن الحوثيين يُحكمون سيطرتهم على المضيق. هذه هي الآلية التي تستحق التوقف عندها. الإحكام لا يعني فحسب صواريخ تُطلق على ناقلات عابرة — تلك القصة التي يقرأها العالم منذ عامين. الإحكام يعني نقاط تفتيش في الداخل، وإشعارات تجنيد، ووقوداً مصادراً، وإغلاقاً صامتاً للمنافذ التي كانت تستخدمها الأسر العادية. اللاجئون هم المؤشر المتقدم؛ وعناوين الشحن هي المؤشر المتأخر.
جيبوتي بلد يبلغ عدد سكانه نحو مليون نسمة. يوم واحد يشهد 1,400 وافد ليس حملاً يمكن استيعابه بهدوء لفترة طويلة. أوبوك مدينة صغيرة على ساحل حار تشحّ فيه المياه، والحضور الأممي فيها يعيش منذ سنوات على المكشوف. إن استمر هذا الإيقاع لأسبوع واحد فحسب، فإن الحوار الدبلوماسي سينتقل — من أقساط تأمين البحر الأحمر التي تشغل وزارات المال في لندن وسنغافورة، إلى ملف إنساني يهبط على مكاتب في أديس أبابا والرياض والقاهرة.
المفاوضة التي تجري خلف الكواليس ولا تحملها أسلاك الأخبار هي تلك الدائرة بين العواصم الخليجية وحكومة جيبوتي حول من يتحمل تكلفة الاستيعاب. الرياض موّلت من قبل النزوح اليمني بصمت، عبر قنوات لا تظهر في أي بيان رسمي. وأبوظبي لها مصالحها الخاصة على الجانب الأفريقي من المضيق — الميناء في بربرة، والقاعدة في عصب التي جرى تفكيكها ولم تُنسَ قط. حين يصل 1,400 شخص في يوم واحد، تدق الهواتف بين هذه العواصم قبل أن تُصاغ البيانات الصحفية.
على القارئ في القاهرة، يصل هذا الأمر إلى المطبخ عبر قناتين. الأولى هي أسعار الشحن: كل اضطراب متجدد في باب المندب ينعكس على تكلفة البضائع المارة عبر قناة السويس، وعائدات السويس هي أصلاً نقطة الضعف في ميزان المدفوعات المصري. الثانية أكثر دقة. اليمن كان لعقود مصدراً للتحويلات المالية ووجهةً للعمالة المصرية. يمن يزداد انغلاقاً يعني أن أسراً في صعيد مصر تفقد دخلاً متواضعاً لكنه حقيقي، وأن شبكات تحويل الأموال غير الرسمية التي تنقله تصمت شيئاً فشيئاً.
تخيّل العبور بنفسك. شاطئ أوبوك ليس ميناءً بأي مفهوم أوروبي — إنه امتداد من الرمل تُسحب عليه القوارب الخشبية وتُفرغ باليدين. المرأة التي نزلت من إحدى تلك القوارب أمس لم تحمل معها إلا ما استطاعت حمله. دفعت للمهرّب بدولارات كانت تدّخرها منذ آخر مرة هدأ فيها المضيق. هي الآن مسؤولية ضابط خفر السواحل الجيبوتي الذي شاهد هذا المشهد من قبل، وعامل إغاثة تعرّضت ميزانيته للتقليص في الربيع الماضي.
الملف الإنساني هو المؤشر المتقدم للملف الأمني. اقرأ شاطئ أوبوك، وستعرف ما ستسعّره مكاتب الشحن في لندن بعد ستة أسابيع من الآن.