
بينما تسرّب طهران خطوطها الحمراء وتقيم واشنطن مسرحيتها الأمنية على بواباتها، تضع حكومة السيسي نفسها في موضع الوسيط الذي لا غنى عنه.
ℹ️ قراءة بصوت المتصفح · صوت الذكاء الاصطناعي قريبًا
تقوم مصر بالعمل الذي كان يجب أن تضطلع به الملكيات الخليجية، والفارق يخبرك بشيء عن أي عاصمة في المنطقة لا تزال تؤمن بالدبلوماسية المكوكية مهنةً وحرفة.
في الثماني والأربعين ساعة الماضية، وقعت حادثتان يجب قراءتهما بالتوازي. في الدوحة، أطلعت مصادر إيرانية الصحفيين على ما تقول طهران إنها ستقبله في صفقة مع واشنطن — وهو نوع من التسريب المنظم يشكّل بحدّ ذاته موقفاً تفاوضياً. في القاهرة، بدأت وزارة الخارجية تتصل بنظرائها الإقليميين لتنسيق مسار احتواء حول الملف نفسه. الأول عرض مسرحي موجّه للجمهور الأمريكي. الثاني هو الحرفة الأقدم والأقل بريقاً: محاولة منع حرب من أن تندلع على جانبك الشرقي.
صانع القرار هنا هو عبد الفتاح السيسي، وحسابه ليس غامضاً. تواجه مصر سعر خام برنت عند 103.54 دولار للبرميل — انخفض دولاراً واحداً في جلسة اليوم، لكنه يبقى مرتفعاً هيكلياً بالنسبة لدولة تستورد نسبة معتبرة من منتجاتها المكررة وتدعم الخبز من الفائض المتبقي. مواجهة حقيقية بين إيران وأمريكا ستضع رقم أربعة أمام ذلك الرقم في غضون أسبوعين، والخزانة المصرية لا تملك الوسادة المالية الكافية لاستيعاب ذلك. الوساطة، من وجهة نظر القاهرة، ليست مثاليةً. إنها الدفاع عن النفس المالي يرتدي لغة المسؤولية الإقليمية.
ما يثير الانتباه هو اختيار المسار. السيسي لا يسعى إلى أن يكون مُؤلِّف الصفقة، بل يسعى إلى أن يكون شبكة أمانها — العاصمة التي يُلجأ إليها حين تتعثر قناة الدوحة أو تزدحم قناة مسقط. هذا طموح أكثر تواضعاً مما كانت تتطلع إليه القاهرة قبل عقد من الزمان، وأكثر قابلية للتحقق. تعلّمت وزارة الخارجية في عهد هذا الرئيس أن أن تكون المكالمة الثانية الضرورية أكثر ديمومةً من أن تكون الأولى.
لاحظ ما احتواه التسريب الإيراني فعلاً. تُلمّح طهران إلى مرونة في سقف التخصيب وصلابة في تسلسل تخفيف العقوبات. هذا هو المؤشر الكاشف. نظامٌ يريد تفجير المحادثات سيبدأ بأجهزة الطرد المركزي. نظامٌ يريد صفقة لكن لا يريد أن يبدو راغباً فيها بشدة يبدأ بالتسلسل — لأن التسلسل هو السؤال التقني الذي يتيح لكلا الطرفين ادّعاء النصر في الشق السياسي. هذه هي الذاكرة العضلية لوزارة خارجية مرّت بهذا من قبل، عام 2015 وخلال الانحلال الطويل الذي أعقبه.
يصعب قراءة الجانب الأمريكي، ويعود ذلك جزئياً إلى أن البيت الأبيض أمضى يوم الجمعة في التعامل مع مسلح عند أحد نقاط التفتيش التابعة له. تبادل إطلاق النار مع جهاز الحماية على المحيط ليس جيوسياسةً بحدّ ذاته. لكنه تذكير بأن طاقة الإدارة الاستيعابية لمفاوضات متعددة الأطراف بالغة التعقيد تتآكل أمام سياسات أمنها الداخلي. وزارات الخارجية تلاحظ هذه الأشياء، وتوقّت تسريباتها بناءً عليها.
في غضون ذلك، أغلق الروبل يوم الجمعة عند 71.55 مقابل الدولار، مُتراجعاً بثلاثة أرباع النسبة المئوية في الجلسة. هذا الرقم يؤدي وظيفتين في آنٍ واحد: يُخبرك أن الميزانية الروسية لا تزال مدعومةً بإيرادات النفط عند مستويات برنت ثلاثية الأرقام — راحةٌ لا تُعلنها موسكو. ويُخبرك أن موسكو لديها حافز ضئيل جداً لرؤية الملف الإيراني يُحلّ بسرعة، إذ إن علاوة المخاطر الجيوسياسية في سعر النفط باتت، في هذه المرحلة، بنداً صريحاً في جداول وزارة المالية. روسيا لن تُخرّب المحادثات. هي لا تحتاج إلى ذلك. تحتاج فحسب إلى أن تطول.
هذا هو الجزء من الصورة الذي تفهمه القاهرة فيما بدأت العواصم الخليجية للتو في استيعابه. المفاوضات المطوّلة تصبّ في مصلحة دول المنتجين الذين يمتلكون أعمق الاحتياطيات، وتضرّ دول المستهلكين الذين تشحّ احتياطياتهم. تقع مصر في الفئة الثانية. دبلوماسيتها هي دبلوماسية دولة لا تستطيع تحمّل استمرار دوران عقارب الساعة.
وهذا يقودنا إلى السؤال الذي لا يطرحه أحد في الصحافة الإقليمية بصراحة: ماذا تملك القاهرة فعلاً لتقدمه للأمريكيين؟ ليس نفوذاً على طهران — فلديها القليل جداً. وليس ثقلاً عسكرياً — فهذا ليس ما يحتاجه هذا الملف. ما تقدمه مصر هو منح الشرعية. الصفقة التي تمرّ بين يدي القاهرة تكتسب طابعاً عربياً لا تحمله، بالقدر ذاته، صفقةٌ تتوسط فيها الدوحة أو مسقط وحدهما. بالنسبة لإدارة أمريكية ستضطر إلى تسويق أي اتفاق أمام كونغرس متشكّك وكابينة إسرائيلية أشدّ تشككاً، فإن هذا الطابع يستحق شيئاً. ليس كل شيء. لكن شيئاً.
راقب جداول السفر على مدى الأيام العشرة القادمة، لا البيانات الرسمية. إن بدأ المبعوثون المصريون يظهرون في عواصم لا يزورونها عادةً، فمسار الوساطة حقيقي. وإن لم يحدث ذلك، فقد كانت القاهرة تتقدم بعطاء للحصول على أهمية، ولم يُقبل العطاء. في كلتا الحالتين، الموقف هو ما يكشف النية.